ماديس
... شكرا
| كانت، بين حاجبيها السميكين والابتسامة الصافية، نظرة تخترق فيك العظم، القلب، الروح... لتودع سلاما كالذي تحكي عنه السماوات المفتوحة.
كانت، حين تحتضن يديك بين كفيها المبسوطتين، تحملك الى تواصل وصفاء كأنك تستريح بين صفحتي انجيل مقدس .
|
|  |
حين كنت ادفع الباب الخشب الابيض العالي، في مكتبها في " دار العمل"، كان مسّ يعتريني بان اخلع حذائي، بان اسير على رأس قدمي، بان اجمع اصابع يدي، واخشع للصلاة... شمعة مضاءة هنا. كتاب صلاة مفتوح هناك. بنفسج افريقي ليلكي غالبا، ينغل ربيعا في سماء، تحت صورة إبنها الشهيد امين، مكتب خشبي صغير، موسيقى خافتة هادئة وسكون سكون وضوع بخور آسر، وضجيج ابتسامة وقلب ومحبة. قل كثيرا من المحبة، في وجه يلاقيك بلا صوت. نجلس معا على طبليتين من قش، بالكاد تحكي الشفاه. لكن المكتب الفسيح ونوافذه الشاهقة وسقفه العالي بالجفصين والرسوم البيروتية العتيقة، كان يصير ارضا وسماء!
اول مكتب لي، أفاجأ، حين أدخله في " جريدة العمل" على جسر مدخل بيروت الشرقي، صورة مصغرة عن مكتبها... شمعة عنابية كبيرة مضاءة، إنجيل، لوح مغلف بالقماش العنابي، عليه اجمل مقتطفات من كتب وأشعار ومقالات، تحته طاولة خشب فوقها لامبادير من جذع السنديان بطربوش من قش وعبارة ما زالت الى اليوم تزين مكتبي، محفورة على خشبة أرز " الإبتسامة هي مرآة الروح"... وعلى الجدار لوحتان من رسم كنتها " ميراي"، من وحي كتاب " الامير الصغير" لسانت اكزوبري، تزينان اليوم غرفة إبني، وأخرى كبيرة كتب عليها بالفرنسية: “ On sait un pays grand quand il est à genoux” . علمت لاحقا انها سهرت ليلا بكامله لتجهيز المكتب، فتفاجئني!
اذكر، كنت في العشرين، لما توفي فجأة والدي... فاذا برسالة خطية منها تبرّد حزني، حتى انها تجعل الدموع تبتسم والحزن يصلي! ومع الرسالة حقيبة سفر ملأى بثياب الحداد، على مقاسي! "ستحتاجين اليها، اقله لسنة مقبلة"!
هكذا كنا نتواصل... من خلال الاشياء الصغرى، كانت تهمس فأمتلىء من صداها. كنت التقط اشاراتها. علمتني حب الوطن. علمتني صون كرامة وطن والوفاء لشهيده وتقديس القضية فوق البشر وخط المسيرة بعناد وصبر وثقة. كنت اسمعها... هي التي بالكاد كانت تحكي! حتى في اجتماعات "فريق غاما" الذي أعده الرئيس الراحل بشير الجميل ليكون بمثابة حكومة ظل لمشروعه الرئاسي، فشكّله من نخب الاختصاص والعلم لادارة المرافق الحياتية والخدماتية وملء كل فراغ تتركه الدولة بغياب مؤسساتها في شتى المجالات. كانت هي اساسية في ادارته، كانت عضوا مستمعا لساعات... تغمزني، انا الجالسة في الصف الخلفي للطاولة المستطيلة، لتسطير ملحوظة، او اشارة... ليكون لها في كل جلسة كلمة، خافتة، ختامية، انما بحزم لا مقياس له وثقة هادئة، فلا يرفضها او يجادلها أحد!
اذكر، بل ذكرني امس رفيقي وصديقي ابو روي، (فوزي محفوظ) يوم زرناها معا في مكتبها الميداني في البقاع الغربي في مدرسة شنلّر، في الثمانينات بعد الاجتياح الاسرائيلي. كانت اول الواصلين الى هناك، " تناضل" لتأمين مياه وغذاء ومسكن لمحتاج! كانت هناك ليكون "بشير" مع البقاعيين في همومهم وهواجسهم، كانت هناك اول الواصلين من بيروت في اتجاه الجنوب المهجور من دولته والمهجر عن الوطن!
بعد استشهاد بشير وانتفاضة 12 آذار في القوات اللبنانية، حين قررت مغادرة جريدة "العمل" لتأسيس "المسيرة"... بكت ماديس اسود. حاولت بكل ما لديها من قوة داخلية، من استشهادات، من تحذير وتنبيه، ان تجعلني ابقى... زعلت كثيرا – زعلت مني. خفّ تواصلنا... لكنها بقيت حاضرة في قلب قلبي، في صلاتي، في مسيرتي... حين التقينا في الصيف الماضي، رأيتها للمرة الاولى في غير الثياب السوداء! كانت في ثياب الرياضة البيضاء. قبلتها فعصرتني الى صدرها. لم تحك. كانت لا تزال مطبوعة بالابتسامة نفسها. اعطتني رقم هاتفها على ان نلتقي...
من آل الجميل، عائلة الشهادة العالقة في الدمع، كانت ماديس كالشهب! حاضرة في كل مكان ومناسبة، الاكثر حركة وعطاء وحضورا، انما الغائبة دوما من اطار الصورة، من الصورة! ماديس اسود كانت هي بيار الجميل وجنفياف وبشير وحتى امين الجميل (مع حفظ الالقاب)! كانت لبنان المقاوم الصامد العنيد، من غير ان تظهر مرة علنا!
ماديس اسود. امرأة كتبت مسيرتها في جنازات وداع ومسيرة مقاومة. كانت تدفن نتفا من ذاتها عند منعطف تلو الآخر، من إبنها امين الى ابنة اخيها مايا، فشقيقها بشير، ووالدها الشيخ بيار، فوالدتها جنفياف، وابن شقيقها بيار الشاب... وكل من رحلوا بين هؤلاء من معارف وأحبة ومقاومين في سبيل لبنان!
"جلجلة صليب او مصير شعب" كتاب اهدتني اياه يوما، تطبع صفحته الاولى دمعة من حرقة قلبها! ماديس. كانت الام والاخت والصديقة. كانت المقاومة الصامدة الصامتة العنيدة. كانت النجمة اللامعة في زمن الحرب الدامس. ماديس: شكرا لمرورك يوما في سمائي.
فيفيان صليبا داغر viviane.s.dagher@gmail.com
|